ملاحظة

مصدر هذه الموضوعات لمزيد من الاهتمام ، انقر عنوان الرسالة

اصنام قوم نوح عليه السلام

جاء في قوله تعالى : « وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا » (2). كان رؤساء قوم نوح عليه السلام يضعون الخطط الشيطانية الواسعة لتضليل الناس ورفضهم لدعوة نوح عليه السلام ، ومن اهم هذه الاساليب ترغيب الناس وتشويقهم على عبادة الاصنام ، وقد تم انتخاب خمسة من كبار الاصنام وجعلوا لهم اسماء مشخصة ، كما نسبوا لكل صنم من هذه الاصنام الخمسة عمل خاص به. علما ، وكما تشير بعض الروايات الى عدم وجود عبادة الاصنام قبل عصر 1 ـ ال عمران : 178. 2 ـ نوح : 23. (94) نوح عليه السلام وان قوم نوح هم الذين اوجدوها. من هنا يتعين ان المدة بين زمن ادم ونوح عليه السلام كان اناس صالحون طيبون ، ولكن الشيطان اغواهم وعمد الى استغلالهم وترغيبهم على صنع تماثيل ، وبعض هذه التماثيل تمثل كبار اولئك الصالحين بحجة تقديسهم واجلالهم ، وبعد مرور الزمن نسبت الاجيال التي تلت هؤلاء ، وتصورت ان هذه التماثيل هي موجودات محترمة نافعة ويجب عبادتها ، كما وسوس لهم الشيطان ، اخذوا يعبدونها ويعتقدون بها واستولى عليهم الشيطان. وقد لقبت هذه الاصنام الخمسة كما ذكرتهم الاية المباركة وهم : « ودا ، وسوعا ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا » ، ولذا كان رؤساؤهم المستغلون لهم يعتمدون على عبادتهم لها. ضل قوم نوح معتكفين على عبادة هذه الاصنام الخمسة حتى انتقلت هذه الاصنام الى الجاهلية العربية ، وانتخبت كل قبيلة واحدة من هذه الاصنام لهما ، « او انتقلت اسمائها اليهم ثم صنعوا تماثيل وسموها باسمائهم » في المسالة اختلاف. وقيل : ان قبيلة بني كلب في اراضي دومة الجندل ، انتخبت الصنم « ود » ، واتخذت قبيلة هديل « سواعا » ، واتخذت قبيلة بني قطيف او قبيلة بني مذحج « يغوث » واتخذت قبيلة همدان « يعوق » وقبيلة ذي الكلاع « نسرا ». فان ثلاثة من الاصنام كانت في اليمن وهي « يغوث ، ويعوق ، ونسرا » ولكنها اندثرت عندما سيطر ذو نؤاس على اليمن ، واعتنق اهلها اليهودية (1) ويقول المؤرخ الشهير الواقدي : كان الصنم « ود » على صورة رجل ، و « سواع » 1 ـ تفسير مجمع البيان ج 10 ص 364 والامثل : ج 19 ص 63. (95) على صورة امرأة ، و « يغوث » على صورة اسد ، و « يعوق » على صورة فرس ، و « نسر » على صورة نسر « الطائر المعروف » (1). وبالطبع ان هناك اصناما اخرى كانت لعرب الجاهلية ، منها « هبل » الذي كان اكبر اصنامها التي وضعوها داخل الكعبة والصنم « اساف » و « نائلة » و « اللات » و « العزى » وغير ذلك من الاصنام التي كانت داخل وخارج الكعبة المشرفة. ضلت الاصنام معلقة داخل الكعبة وحواليها تعبد وتقدس الى ان ظهر الاسلام ، وبعث النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وفتح مكة ، وحمل علي بن ابي طالب عليه السلام على كتفه ، وكسر اكبر اصنامها « هبل » وبه انتهت عبادة الاصنام وظهرت عبادة الله تعالى. ولكن مع الاسف ظهر بدل عبادة الاصنام الحجرية عبادة اصنام بشرية ، وعبادة تقاليد وعادات غربية منحرفة وعبادة المادة ... الطوفان وصنع السفينة بعد ما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه الى عبادة الله ، وبعد التبليغ الذي دام اكثر من تسعمائة وخمسين سنة ، وبعد ان تحمل انواع الالام والعذاب والاهانة والتهم وغير ذلك. بعد هذا اقبل على الدعاء ، ورفع نوح عليه السلام يديه الى السماء وقال : « وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ، انك ان تذرهم يضلوا عبادك 1 ـ نفس المصدر. (96) ولا يلدوا الا فاجرا كفارا » (1). بعد ذلك وقبل نزول الغضب والطوفان ، اعقم الله اصلاب الرجال وارحام النساء ، فلبثوا اربعين سنة لا يولد لهم ولد ، وقحطوا في تلك الاربعين سنة حتى هلكت اموالهم واصابهم الجهد والبلاء ، ثم قال لهم نوح : استغفروا ربكم انه كان غفارا ، فاعذر اليهم وانذر فلم يزدادوا الا كفرا. عند ذلك امر الله عزوجل نوح عليه السلام ان يغرس النخل ، فاقبل بغرس النخل ، فكان قومه يمرون به فيسخرون منه ويستهزؤون به ويقولون : شيخ قد اتى له تسعمائة سنة يغرس النخل ، وكانوا يرمونه بالحجارة ، فلما كبر النخل واستحكم امر بقطعه ، فسخروا منه ايضا وقالوا : لما بلغ النخل مبلغه قطعه ، ان هذا الشيخ قد خرف وبلغ منه الكبر. بعد ذلك امره الله ان ينحت السفينة وامر جبرئيل ان ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها ، فقدر طولها في الارض الفا ومائتي ذراع ، وعرضها ثمان مائة ذراع ، وطولها في السماء ثمانون ذراعا ، فقال : يارب من يعينني على اتخاذها ؟ فاوحى الله اليه : ناد في قومك ، فنادى نوح فيهم بذلك فاعانوه عليها ، وكان يمر به قومه ويسخرون منه ويقولون : يتخذ سفينة في البر. وفي رواية اخرى عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : سأل نوح عليه السلام ربه ان ينزل على قومه العذاب ، فاوحى الله اليه ان يغرس نواة من النخل فاذا بلغت فاثمرت واكل منها اهلك قومه وانزل عليهم العذاب. فغرس نوح النواة واخبر اصحابه بذلك ، فلما بلغت النخلة واثمرت واجتنى الثمر نوح واكل واطعم اصحابه ، قالوا له : يا نبي الله الوعد الذي وعدتنا ، 1 ـ نوح : 27 و 28. (97) فدعا نوح ربه وساله الوعد الذي وعده ، فاوحى الله اليه ان يعيد الغرس ثانية ... ، فاخبر نوح اصحابه بذلك فصاروا ثلاث فرق ، فرقة ارتدت ، وفرقة نافقت ، وفرقة ثبتت مع نوح. حتى فعل نوح ذلك عشر مرات ، وفعل الله ذلك باصحاب الذين يبقون معه فيفترقون كل فرقة ثلاث فرق على ذلك. فلما كان في المرة العاشرة جاء اليه رجل من اصحابه الخلص والمؤمنون فقالوا له : يا نبي الله : فعلت بنا ما وعدت او لم تفعل فانت صادق نبي مرسل لا نشك فيك ولو فعلت ذلك بنا ، قال : فعند ذلك استجاب الله دعوة نوح واهلك قومه ، وادخل الخاص منهم معه السفينة ، فنجاهم الله تعالى ونجى نوحا معهم بعدما صفوا وذهب الكدر منهم. فلما فرغ نوح عليه السلام من صنع السفينة امره الله ان ينادي بالسريانية ، لا يبقى بهيمة ولا حيوان الا حضر ، فادخل من كل جنس من اجناس الحيوان زوجين في السفينة ، وكان عدد الذين امنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا ، فقال الله تعالى : « ... فاذا جاء امرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون » (1). قيل كان صنع السفينة في مسجد الكوفة. فلما كان في اليوم الذي اراد الله هلاكهم ، كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف « بغار التنور » (2) في مسجد الكوفة ، وقد كان نوح اتخذ لكل نوع من 1 ـ المؤمنون : 27. 2 ـ « او بنار التنور » قال البعض : كانت العلامة بين نوح وربه لحلول الطوفان ان يفور التنور ، قال اخرون : ان كلمة (98) اجناس الحيوان موضعا في السفينة ، وجمع لهم فيها ما يحتاجون اليه من الغذاء. لما فار التنور صاحت امرأة نوح ، فجاء نوح الى التنور ، فوضع عليها طينا وختمه حتى ادخل جميع الحيوانات السفينة ، ثم جاء الى التنور ففضى الخاتم ورفع الطين ، وانكشفت الشمس ، وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر ، وتفجرت الارض عيونا ، وهو قوله عزوجل : « ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على امر قد قدر ... » (1). وبعد ذلك امرهم الله تعالى وقال لهم : « اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها » (2). فدارت السفينة وضربتها الامواج حتى وصلت الى مكة ، وطافت بالبيت ، وكان قد غرق جميع ما في الدنيا الا موضع البيت ، وانما سمي البيت العتيق لانه اعتق من الغرق ، فبقي الماء ينصب من السماء اربعين صباحا ، ومن الارض حتى ارتفعت السفينة. فلما غرق الجميع ونجى نوح واصحابه ، رفع يده الى السماء ثم قال : « يا رهمان اتقن » اي : يا رب احبس ، او احسن ، فامر الله الارض ان تبلع ماءها وللسماء ان تمسك المطر ، وقضي الامر واستوت على الجودي ، وهو جبل في الموصل. وبعد ذلك امر الله تعالى نوحا ان يهبط من السفينة بسلام وبركات ، فنزل نوح عليه السلام بالموصل من السفينة مع الثمانين نفر من اصحابه واهله الذين كانوا معه في « تنور » اسمعملت هنا مجازا عن غضب الله تعالى ، ولكن يبدو ان « التنور » بمعناه الحقيقي اقوى. 1 ـ القمر : 11. 2 ـ هود : 41. (99) السفينة ، وبنوا لهم مدينة وسميت « مدينة الثمانين ». زواج نوح عليه السلام : كان للنبي نوح عليه السلام امراتان ، احداهما كافرة والاخرى مؤمنة. كانت امرأة نوح الكافرة تقول للناس : انه مجنون واذا امن به احد اخبرت الجبابرة من قوم نوح به ، وهذه مثل امرأة لوط عيله السلام كما ذكرهما القران الكريم في قوله تعالى : « ضرب الله مثلا للذين كفروا امرات نوح وامرات لوط ... الخ » (1). حيث كانت امرأة لوط عليه السلام تدل على اضيافه وكان ذلك خيانتهما لهما ، « وما بغت امرأة نبي قط » ، وانما كانت خيانتهما في الدين ، وقال الضحاك : خيانتهما النميمة ، اذا اوحى الله اليهما افشتاه الى المشركين. وقيل كان اسم امرأة نوح هذه « واغلة » واسم امرأة لوط « واهلة » ، وقال مقاتل : « والغة ووالهة » (2). واما امراته المؤمنة : روي في كتاب القصص لمحمد بن جرير الطبري : ان الله تعالى اكرم نوحا بطاعته والعزلة لعبادته ، وكان يلبس الصوف ، ولباس ادريس كان من الشعر ، وكان يسكن الجبال وياكل من نبات الارض ، فجاءه جبرئيل عليه السلام بالرسالة ، وقد بلغ عمر نوح اربعمائة سنة وستين سنة ، فقال له : مابالك معتزلا ؟ قال : لان قومي لا يعرفون الله فاعتزلت عنهم. 1 ـ التحريم : 10. 2 ـ مجمع البيان : ج 10 ص 319 ص 345. (100) فقال له جبرئيل : فجاهدهم. فقال نوح : لا طاقة لي بهم ، ولو عرفوني لقتلوني. فقال له : فان اعطيت القوة كنت تجاهدهم ؟ ، قال : واشوقاه الى ذلك. فقال له نوح : من انت ؟ قال : فصاح جبرئيل صيحة واحدة تداعت فاجابته الملائكة بالتلبية ورجت الارض وقالت لبيك لبيك يا رسول رب العالمين ، قال : فبقي نوح مرعوبا. فقال له جبرئيل : انا صاحب ابويك ادم وادريس ، والرحمن يقرؤك السلام ، وقد اتيتك بالبشارة ، وهذا ثوب الصبر ، وثوب اليقين ، وثوب النصرة ، وثوب الرسالة والنبوة وامرك « ان تتزوج بعمورة بنت خمران بن اخنوخ » فانها اول من تؤمن بك. فمضى نوح يوم عاشوراء الى قومه وفي يده عصا بيضاء وكانت العصا تخبره بما يكن به قومه ، وكان رؤساؤهم سبعين الف جبار عند اصنامهم في يوم عيدهم. فنادى : لا اله الا الله ، ادم المصطفى ، وادريس الرفيع ، وابراهيم الخليل ، وموسى الكليم ، وعيسى المسيح خلق من روح القدس ، ومحمد المصطفى اخر الانبياء هو شهيدي عليكم ، اني قد بلغت الرسالة ، فارتجت الاصنام وخمدت النيران ، واخذهم الخوف ، وقال الجبارون : من هذا ؟ فقال نوح : انا عبد الله وابن عبده ، بعثني لكم رسولا ، ورفع صوته بالبكاء ، وقال : اني لكم نذير مبين. قال : « وسمعت عمورة كلام نوح فامنت به فعاتبها ابوها وقال : ايؤثر فيك قول نوح في يوم واحد ؟ واخاف ان يعرف الملك بك فيقتلك ». فقالت « عمورة » : يا ابت اين عقلك وفضلك وحلمك ؟ نوح رجل وحيد (101) وضعيف يصيح فيكم تلك الصيحة فيجري عليكم ما يجري ، فتوعدها ابوها فلم ينفع ، وحبسها في بيته ومنعها من الطعام ، وبقيت في الحبس سنة وهم يسمعون كلامها ، فاخرجوها بعد سنة وقد صار عليها نور عظيم وهي في احسن الحال ، فتعجبوا من حياتها بغير طعام فسالوها فقالت : انها استغاثت برب نوح عليه السلام وان نوحا عليه السلام كان يحضر عندها بما تحتاج اليه ، ثم ذكر تزويجه بها وانها ولدت له سام بن نوح (1). وقيل : كان ممن ادخل السفينة زوجته المؤمنة وبنوه الثلاثة ، سام ، وحام ، ويافث وزوجاتهم الثلاث. فكان اولاد « سام » : العرب والروم وفارس واصناف العجم. واولاد « حام » السودان من الحبش والزنج وغيرهم. وولد « يافث » : الترك ، والصين ، والصقالبة ، وياجوج وماجوج. واما امراته الخائنة قد هلكت في الطوفان كما هلك ابنه « كنعان » وقيل : كان اسمه « يام » وكان في معزل من ابيه ، فناداه ان يركب معه في السفينة فامتنع وقال ساوي الى جبل يعصمني من الماء ، فقال له نوح : لا عاصم اليوم من امر الله وعذابه الا من كان مؤمنا ، فلم يوافق وكان من المغرقين. وروي الصدوق عن ابي الصلت الهروي قال : قلت للرضا عليه السلام : يابن رسول الله لاي علة اغرق الله تعالى الدنيا كلها في زمن نوح عليه السلام وفيهم الاطفال وفيهم من لا ذنب له ، فقال عليه السلام : ما كان فيهم الاطفال ، لان الله عزوجل اعقم اصلاب قوم نوح وارحام نسائهم اربعين عاما ، فانقطع نسلهم ، فعرقوا ولا طفل فيهم ، وما كان الله تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له. 1 ـ سعد السعود : ص 40 عنه البحار : ج 11 ص 341. (102) واما الباقي من قوم نوح فاغرقوا لتكذيبهم لنبي الله نوح عليه السلام ، وسائرهم اغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين ، ومن غاب عن امر فرضي به كان كمن شهده واتاه. (1) خاتم نوح عليه السلام : روي عن الامام الرضا عليه السلام قال : ان نوحا عليه السلام لما ركب السفينة اوحى الله عزوجل اليه : يا نوح ان خفت الغرق فهللني الفا ، ثم سلني النجاة انجك من الغرق ومن امن معك ، قال : فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ورفع القلس (2) عصفت الريح عليهم فلم يامن نوح الغرق ، فاعجلته الريح فلم يدرك ان يهلل الف مرة ، فقال بالسريانية : « هلوليا الفا الفا يا مريا اتقن » قال : فاستوى القلس واستمرت السفينة. فقال نوح عليه السلام : ان كلاما نجاني الله به من الغرق لحقيق ان لا يفارقني ، قال : فنقش في خاتم « لا اله الا الله الف مرة ـ يا رب اصلحني » (3). ابليس وصنع الخمر : عن زرارة عن الصادق عليه السلام قال : لما هبط نوح عليه السلام من السفينة غرس غرسا فكان فيما غرس النخلة ، ثم رجع الى اهله فجاء ابليس لعنه الله فقلعها ، ثم ان نوحا عليه السلام عاد الى غرسه فوجده على حاله ووجد النخلة قد قلعت ووجد ابليس 1 ـ دائرة المعارفة الشيعية : ج 18 ص 218. 2 ـ القلس : حبل للسفينة ضخم. 3 ـ العيون : ص 217 ، امالي الصدوق : ص 274 ، البحار : ج 11 ص 285. (103) عندها ، فاتاه جبرئيل عليه السلام فاخبره ان ابليس لعنه الله قلعها ، فقال نوح عليه السلام لابليس لعنه الله : ما دعاك الى قلعها فوالله ما غرست غرسا احب الي منها ، ووالله لا ادعها حتى اغرسها ، وقال ابليس لعنه الله : وانا والله لا ادعها حتى اقلعها ، فقال له : اجعل لي منها نصيبا ، قال : فجعل له منها الثلث ، فابى ان يرضى فجعل له النصف فابى ان يرضى وابى نوح عليه السلام ان يزيده ، فقال جبرئيل عليه السلام لنوح يا رسول الله احسن فان منك الاحسان ، فعلم نوح انه قد جعل الله له عليها سلطانا ، فجعل نوح له الثلثين ، فقال ابو جعفر عليه السلام : فاذا اخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان ، فكل واشرب حينئذ. (1) وقال الصادق عليه السلام ايضا : ان ابليس نازع نوحا في الكرم فاتاه جبرئيل عليه السلام فقال له : ان له حقا فاعطاه ، فاعطاه الثلث فلم يرض ابليس ، ثم اعطاه النصف فلم يرض ، فطرح جبرئيل نارا فاحرقت الثلثين وبقي الثلث ، فقال : ما احرقت النار فهو نصيبه ، وما بقي فهو لك يا نوح. (2) هل كان كنعان بن نوح عليه السلام ؟ : عن ابي بصير ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : لما اراد الله عزوجل هلاك قوم نوح عليه السلام ، عقم ارحام النساء اربعين سنة ، فلم يلد فيهم مولود. فلما فرغ نوح عليه السلام من اتخاذ السفينة ، امره الله ان ينادي بالسريانية : لا يبقى بهيمة ولا حيوان الا حضر ، فادخل من كل جنس من اجناس الحيوان زوجين في السفينة ، وكان الذين امنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا ، فقال الله 1 ـ فروع الكافي ج 2 ص 189 ، البحار : ج 11 ص 293. 2 ـ نفس المصدر. (104) تعالى : « حتى اذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول ومن امن وما امن معه الا قليل » (1). بعد ما ركب الجميع وفار التنور وتفجرت الارض عيونا وهطلت الامطار من السماء ، وفتحت ابواب السماء بماء منهمر. قال الله تعالى : « اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها » ، اي مسيرها وموقفها. فدارت السفينة ، ونظر نوح عليه السلام الى ابنه يقع ويقوم فقال له : « يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين » فقال ابنه كنعان ، كما حكى الله عزوجل : « قال ساوي الى جبل يعصمني من الماء » فقال نوح : « لا عاصم اليوم من امر الله الا من رحم » ثم قال نوح عليه السلام : « رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين » فقال الله عزوجل : « يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسالن ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين » (2) ... « وحال بينهما الموج فكان من المغرقين » (3). وردت تفاسير واحتمالات عديدة في ان « كنعان » هل كان ابن نوح عليه السلام او لم يكن ؟ نذكر منها مختصرا : يقول البعض : هو ابن نوح عليه السلام ولكن لم يكن في صف الكفار ولا في صف المؤمنين ، بل كما يقول القران « كان في معزل من القوم » ولذلك كان يحتمل نوح ان يندم ولده. 1 ـ هود : 40. 2 ـ هود : 43 ، 46. 3 ـ نفس المصدر. (105) وهناك احتمال اخر يقول : هو ان ابن نوح لم يكن يخالف اباه بصراحة ، بل كان منافقا وكان يوافق اباه في الظاهر احيانا ، فلذلك طلب نوح من ربه له النجاة. وقال البعض : في قوله تعالى : « انه عمل غير صالح » بمعنى « انه ذو عمل غير صالح » ، وان الانسان قد يذوب في عمله الى درجة كانه يصير بنفسه العمل ذاته ، وياتي مثل هذا التعبير للمبالغة ، كما يقال احيانا : « ان فلانا هو كل العدل والسخاء » او ان فلانا هو السرقة والفساد جميعها ، فكانه غاص في العمل حتى صار هو العمل بذاته. فابن نوح هكذا كان ، فقد جلس مع السيئين وغاص في اعماقهم السيئة وافكارهم المنحرفة ، بحيث تبدل وجوده الى عمل غير صالح !. اي : يا نوح ، لو كان ابنك انحرافه وفساده سطحيا لكانت الشفاعة في حقه ممكنة ، ولكنه اصبح غارقا في الفساد والانحراف. وهناك احتمالات يراها المفسرون على ان « كنعان » لم يكن ابن نوح حقيقة ، او انه كان ابنا غير شرعي ، او انه شرعي من زوجته عن رجل اخر. وروي انه سأل الامام الرضا عليه السلام بعض اصحابه يوما : كيف يفسر الناس هذه الاية : « انه عمل غير صالح » .. فأجابه احد الحاضرين : انهم يعتقدون ان كنعان لم يكن الابن الحقيقي لنوح ، فقال الامام عليه السلام : « كلا لقد كان ابنه ، ولكن لما عصى الله نفاه عن ابيه ، كذا من كان منا لم يطع الله فليس منا » (1). فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم انه قال : « من غش مسلما فليس منا » (2). 1 ـ تفسير الامثل : ج 6 ص 514. 2 ـ سفينة البحار : ج 2 ص 318.

الفتاة الفقيرة في بلاط الامير

حوالي العام 250 قبل الميلاد ، في الصين القديمة ، كان أمير منطقة تينغ زدا على وشك أن يتوّج ملكًا ، ولكن كان عليه أن يتزوج أولاً ، بحسب القانون. وبما أن الأمر يتعلق باختيار إمبراطورة مقبلة ، كان على الأمير أن يجد فتاةً يستطيع أن يمنحها ثقته العمياء. وتبعًا لنصيحة أحد الحكماء قرّر أن يدعو بنات المنطقة جميعًا لكي يجد الأجدر بينهن. عندما سمعت امرأة عجوز ، وهي خادمة في القصر لعدة سنوات ، بهذه الاستعدادات للجلسة ، شعرت بحزن جامح لأن ابنتها تكنّ حبًا دفينًا للأمير. وعندما عادت إلى بيتها حكت الأمر لابنتها ، تفاجأت بأن ابنتها تنوي أن تتقدّم للمسابقة هي أيضًا. لف اليأس المرأة وقالت : " وماذا ستفعلين هناك يا ابنتي ؟ هناك سيتقدّمن أجمل الفتيات وأغناهنّ. اطردي هذه الفكرة السخيفة من رأسك! أعرف تمامًا أنكِ تتألمين ، ولكن لا تحوّلي الألم إلى جنون!" أجابتها الفتاة " يا أمي العزيزة ، أنا لا أتألم ، وما أزال أقلّ جنونًا ؛ أنا أعرف تمامًا أني لن أُختار، ولكنها فرصتي في أن أجد نفسي لبضع لحظات إلى جانب الأمير ، فهذا يسعدني - حتى لو أني أعرف أن هذا ليس قدري" في المساء ، عندما وصلت الفتاة ، كانت أجمل الفتيات قد وصلن إلى القصر ، وهن يرتدين أجمل الملابس وأروع الحليّ ، وهن مستعدات للتنافس بشتّى الوسائل من أجل الفرصة التي سنحت لهن. محاطًا بحاشيته ، أعلن الأمير بدء المنافسة وقال :" سوف أعطي كل واحدة منكن بذرةً ، ومن تأتيني بعد ستة أشهر حاملةً أجمل زهرة ، ستكون إمبراطورة الصين المقبلة". حملت الفتاة بذرتها وزرعتها في أصيص من الفخار ، وبما أنها لم تكن ماهرة جدًا في فن الزراعة ، اعتنت بالتربة بكثير من الأناة والنعومة – لأنها كانت تعتقد أن الأزهار إذا كبرت بقدر حبها للأمير ، فلا يجب أن تقلق من النتيجة- . مرّت ثلاثة أشهر ، ولم ينمُ شيء. جرّبت الفتاة شتّى الوسائل ، وسألت المزارعين والفلاحين فعلّموها طرقًا مختلفة جدًا ، ولكن لم تحصل على أية نتيجة. يومًا بعد يوم أخذ حلمها يتلاشى ، رغم أن حبّها ظل متأججًا. مضت الأشهر الستة ، ولم يظهر شيءٌ في أصيصها. ورغم أنها كانت تعلم أنها لا تملك شيئًا تقدّمه للأمير ، فقد كانت واعيةً تمامًا لجهودها المبذولة ولإخلاصها طوال هذه المدّة ، وأعلنت لأمها أنها ستتقدم إلى البلاط في الموعد والساعة المحدَّدين. كانت تعلم في قرارة نفسها أن هذه فرصتها الأخيرة لرؤية حبيبها ، وهي لا تنوي أن تفوتها من أجل أي شيء في العالم. حلّ يوم الجلسة الجديدة ، وتقدّمت الفتاة مع أصيصها الخالي من أي نبتة ، ورأ ت أن الأخريات جميعًا حصلن على نتائج جيدة؛ وكانت أزهار كل واحدة منهن أجمل من الأخرى ، وهي من جميع الأشكال والألوان. أخيرًا أتت اللحظة المنتظرة. دخل الأمير ونظر إلى كلٍ من المتنافسات بكثير من الاهتمام والانتباه. وبعد أن مرّ أمام الجميع، أعلن قراره ، وأشار إلى ابنة خادمته على أنها الإمبراطورة الجديدة. احتجّت الفتيات جميعًا قائلات إنه اختار تلك التي لم تزرع شيئًا. عند ذلك فسّر الأمير سبب هذا التحدي قائلاً : "هي وحدها التي زرعت الزهرة تلك التي تجعلها جديرة بأن تصبح إمبراطورة ؛ زهرة الشرف. فكل البذور التي أعطيتكنّ إياها كانت عقيمة ، ولا يمكنها أن تنمو بأية طريقة ". الحكمة : قد تلعب من غير شرف كي تكسب لكن في النهاية لن يكسب سوى النزيه السوي الذي يؤمن بالاستقامة.

الملك الطيب

 قصة للأطفــــال بقلم الكاتب التونسي رضا سالم الصامت يحكى في القديم أن هناك رجلا فقير الحال ، يشتغل حطابا و في كل يوم يجمع حطبه من الغابة، و يضعه فوق ظهره ليبيعه في السوق و يتعب من اجل لقمة عيشه . و بعد أن يبيع الحطب ، يتجه إلى المخبزةالقريبة ليشترى رغيفا و حليبا لابنه الوحيد و زوجته ، ثم يعود إلى بيته فيجد زوجته في انتظاره مبتسمةالوجه، رغم الخصاصة فهي سعيدة بعودة بعلها من مشقة العمل كامل اليوم من اجل اللقمة الحلال. وفي يوم من الأيام قرر ملك تلك البلاد القيام بجولة في الغابة ، فلاحظ أن الكثير من الأشجار اقتلعت فغضب و قرر غلق الغابة و منع كل من يقتلع الأشجار و يجمعون الحطب ليبيعونه ... سمع الحطاب الخبر المفجع ، فاحتار في أمره و قال في نفسه : كيف سأوفر قوتي و قوت زوجتي و ابني ؟ اخبر زوجته و قال لها: إنّها مُصيبة ! فمن أينَ لي أن أطعمكم ، حالتي أصبحت أسوأ و قد يعاقبني الملك و يقطع رأسي إن خالفت أوامره ! ردت عليه قائلة : لا تجزع يا رجل ، الله هو خالقنا ، فاصبر فقد يهدي الله، ملكنا و يعدل عن قراره ؟ قال : استغفر الله و سأصبر على نصيبي ذهب الحطاب إلى فراشه ونام ، و في منامه رأى أن الملك يجره ليقطع له رأسه و كان يقول له : أيها الحطاب قطعت الحطب و الآن سأقطع رقبتك !! كان الحلم مزعجا للغاية ... استيقظ مذعورا ، يرتعد من الخوف ، فقالت له زوجته : ما بك يا زوجي ؟ و لا تقنط من رحمته فر الله و اصبر على نصيبك انه مجرد كابوس ، لا تخف ، لا تخف ، خذ هذا الكوب من الماء، واشربه و احمد الله على ما نحن فيه، فستفرج ان شاء الله .... لا تقلق يا زوجي العزيز الناس ؟ بعد أشهر قرر الملك القيام بجولة ليتفقد معيشة و بما أن الحطاب توقف عن عمله بسبب قرار الملك ، فقد بقي في بيته ينتظر الفرج ، و في كل ليلةعلى النار به ماء و في الماء حجرا ليصبر ابنها موهمة اياه باحضار الطعام تشعل زوجته حطبا و تضع قدرا فيطول انتظاره ، إلى أن يغلبه النعاس فينام المسكين جائعا ذات يوم سمعت قرعا على باب بيتها، فخرجت لتفتح الباب، فإذا بالملك و حاشيته و جنده من أنتم يا سادة ؟ - ابتسمت لهم وقالت نزل الملك من على ظهر حصانه الأبيض و قال : أنا ملك البلاد جئت لأتفقد أحوالكم ؟ دخل الملك بيتها ، فوجد قدرا يغلي ، فأخذه ليرى ما فيه ، فلم يجد غير الماء تغلي في القدر و الحجر فيها ! فقال لها بتعجب ماهذا أيتها المرأة ؟ أين الطعام الذي تطبخينه ردت عليه مبتسمة: ليس لدي طعام ، كما ترى يا مولاي انه قدر فيه ماء يغلي ... ! الملك : لاحظت ذلك ، و لكن أريد أن أعرف ، ما القصد من هذا الصنيع ؟ ردت قائلة : وضعته لكي أوهم ابني و زوجي الذي احترم قرار مولاي و لم يعد يذهب إلى الغابة و لم نعد نوفر لابننا الغذاء ، فيبقى على أمل إلى أن يغلبه النعاس فينام ،ولم نجد ما نأكل ليجمع الحطب أحس الملك بغلطته ، و شعر بالندم الشديد و صافح بعلها، ثم أمر حراسه بجلب الطعام و أحلى الثمار لابنها ثم و وجه لزوجها دعوة لزيارة قصره في صباح الغد و غادر المكان و في صباح اليوم الموالي ، ذهب الحطاب في زيارة قصر الملك و عند وصوله عرفه الحراس ، فأدخلوه ليقابل حضرة الملك الذي رحب به و عرض عليه مالا فرفض و ذهبا فرفض فغضب الملك و صاح في وجهه ترفض الذهب و المال فماذا تريد ايها الرجل ؟ فرد عليه الحطاب بهدوء : يا مولاي أنا لست انتهازيا و لا طماعا و لكني أريد فقط عملا شريفا اكسب به قوت عائلتي بحلال .. ابتسم الملك للحطاب و قال له : انك رجل فاضل و لذلك سوف أمنحك ثقتي و أعيينك في وظيفة تكسب منها رزقك بالحلال. قال و ماهي ؟ رد عليه الملك : بستاني بحديقة القصر فرح الحطاب بالوظيفة و اخذ يقبل يدي الملك، ثم عاد إلى بيته فرحا مسرورا، ليزف البشرى على زوجته. سعدت زوجته بالخبر الطيب الجميل ، و قالت له مبتسمة: ألم أقل لك أن الله مع من صبر على نصيبه ، و أن الله قد يهدي الملك و يعدل عن قراره ... رد عليها الحطاب قائلا : الحمد لله ، انه ملك طيب هكذا أصدقائي الصغار من هذه القصة نستنتج عبرة ، و هي من صبر على نصيبه ، فان الله يكرمه و يحسن حاله ، لأن الله سبحانه و تعالى كريم يحب الكرماء.

سرُّ مَوْتِ شريهان زَوْجَةَ الْملَّك توجيان



بِقَلَمِ الْكَاتِبِ التّونِسِيِّ : رِضا سَالِمِ الصَّامِت





فِي قَدِيمِ الزَّمانِ كَانَ هُنَاكَ ملك يُدْعَى توجيان عَاشَ مَعَ زَوْجَتِهُ شريهان الْمَصَابة بِدَاءِ السَّرَطَانِ عافا الجميع ، فَأَنْجَبَتْ لَهُ بِنْيَةَ سَمَّاهَا نورهان - شريهان زوجة الملك توجيان لَمْ تعش طَوِيلَا و سُرْعَانَ مَا فَارَقَتْ الْحَيَاةُ
نورهان اِبْنَتَهَا ، فَقَدَتْ كُلَّ حَنَّانَ ، لَأَنْ أَْمَهَا شريهان مَاتَتْ متأثرة بِهَذَا الْمَرَضَ اللَّعِينَ الَّذِي حَيْرَ أطباء الْمَمْلَكَةَ فِي إيجاد دَواءَ نَاجِعِ و إنقاذها مما تعانيه - كَانَتْ و هِي مَرِيضَةُ تَتَعَذَّبُ مِنْ شَدَّةِ الآلام و رَأَّتْ الْعَذَابُ ألوان ، فَوَضْعَ الْمُلَّكِ توجيان سَمَّا جَلْبَهُ مِنْ قَبْوِ الْقَصَرِ الْمُظْلِمِ عَلَى طَاوِلَتِهَا
و بَعْدَ أيام تَجَرَّعَتْ شريهان مِنْه فَكَانَ سَببَا فِي مَوْتِهَا
أَحِسُّ الْمُلَّكِ بِالذَّنْبِ ، و أَخَذَ ضَمِيرَهُ يُوَبِّخُهُ لِيَلَّا نَهَارَ ، و شُيِّئَا فَشُيِّئَا كَبَّرَتْ نورهان اِبْنَةَ الْمُلَّكِ توجيان ، فَأَصْبَحَتْ كَأَبِيهَا تَعَيُّشَ فِي كآبة و حِرْمَانَ
بَعْدَ مَوْتِ أَْمَهَا ، عَاشَ الْمُلَّكُ فِي الْقَصَرِ الْوَاسِعِ الأركان و كَانَ فِي هذا الْقَصَرِ حارِسَ اِسْمِهُ سلَّمَانِ أَحُبَّ الأميرة نورهان حَبَّا كَبِيرَا و عَامِلَهَا بِلُطْفِ و حَنَّانَ
و وَفَرَّ لَهَا كُلَّ أَسَبَّابَ الرَّاحَةِ و اِلْأَمَانِّ ، فَأَحَبَّتْهُ كَثِيرَا و وَثِقَتْ بِه - و فِي احْدِي اللَّيَالِي رَأَّتْ الأميرة فِي مَنَامِهَا أَْمَهَا شريهان و هِي تَقَوُّلُ لَهَا : يا اِبْنَتَي تَجَرَّعَتْ سَمَّا فِي الْقَصَرِ فَمتَّ و رَحَّلَتْ بَعيدَا عَنْكِ و اِرْتَحْتُ ، لتعيشي يا اِبْنَتَي سَعِيدَةً مُطْمَئِنَّةً الْبَالَ
اِسْتَيْقَظَتْ شريهان مَذْعُورَةً خَائِفَةً و ذهَّبَتْ لسلمان لِتَقُصُّ عَلَيه مَا رَأَّتْهُ فِي الْمَنَامِ
تَعَجُّبُ سلَّمَانِ مِنْ هذا الْحَلَمِ و قَالَ لَهَا بِكُلَّ لُطْفَ : أيتها الأميرة ، لَا تَشْغَلِي بَالَكَ كَثِيرَا فَمَا رَأَّيْتُهُ فِي مَنَامِكَ انه مِجْرَدَ حلَمِ ، فَلَا تَحزُّنَّي و تَشَجُّعَي فَوَالِدَتَكَ مَاتَتْ مَسْمُومَةُ و تَرِكَتَكَ بِنْتَ عَامِّينَ
مَشْهَدُ الْحَلَمِ ظَلَّ رَاسِخَا فِي ذِهْنِهَا و لَمْ تقتنع نورهان مِنْ كَلاَمِ سلَّمَانِ و قَالَتْ فِي نَفْسهَا : لَا بِدْ مِنْ أَنْ أَكْشِفَ سرِّ مَوْتِ وَالِدَتِي شريهان - بَقِيَتْ نورهان حائِرَةً فِي أَمَرِّهَا ، تُحَاوِلُ الْبَحْثُ عَنْ تَفْسِيرِ مُقْنِعِ لَمَّا رَأَّتْهُ فِي مَنَامِهَا ، فَطلَّبَتْ مِنْ وَالِدَهَا الْملْكَ توجيان السَّمَاحِ لَهَا فِي الْقِيَامِ بِزِيارَةِ إِلَى قَبْرِ أَْمَهَا
تَغَيَّرَتْ مَلاَمِحُ وَجْهِ الْمِلْكِ و قَالَ لَهَا مستغربا : و لماذا تُرِيدِينَ الذهَابَ إِلَى قَبْرَ وَالِدَتِكَ شريهان يا اِبْنَتَي ؟
رَدَتْ عَلَيه قَائِلَةً : لِأَنَِّي رَأَّيْتُهَا فِي الْمَنَامِ
نَادَى الْملَّكُ توجيان عَلَى حارِسِهُ سلَّمَانِ و قَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْحارِسَ ، خذ الأميرة نورهان إِلَى الْمَقْبَرَةِ أَيْنَ يرقِدُ رفاتُ أَْمَهَا شريهان
قَالُ لَهُ الْحارِسَ : سَمعَا و طَاعَةَ يا مَوِّلَاي - جَهَّزَ سلَّمَانِ الْمَرْكَبَةِ الَّتِي يَجِرُهَا حِصَانَ و صَعدَتْ نورهان و اِنْطَلَقَ الرُّكْبُ بِاِتِّجَاهِ الْمَقْبَرَةِ ، و فَوْرَ وُصُولِهَا نزلَتْ و ذهبَتْ باتجاه قَبْرَ أَْمَهَا و هِي تَبْكِي و بَقَّي سلَّمَانِ يَنْتَظِرُهَا و يُرَاقِبُهَا فِي الْآنَ نَفْسُه
و بينما نورهان تحدثَ أَْمَهَا عَنْ مَا رأَّتْهُ فِي الْمَنَامِ ، سَمعَتْ صَوْتا غَرِيبَا يُنَادِيهَا : يا نورهان ، يا نورهان أيتها الأميرة ، أَنْ أَمُكَّ شريهان مَاتَتْ مَقْتُولَةُ بِالسَّمِّ الَّذِي كَانَ مَوْجُودَا بِقَبْوِ مُظْلِمِ دَاخِلِ قَصَرِ توجيان، وَضْعَهُ الْملْكَ عَلَى الطَّاوِلَةِ فَأَخذتْهُ و شَربَتْ جُرْعَةُ مِنْه و كَانَتْ كَافِّيَّةُ لِمَوتَهَا و وَدَعَتْ الْحَيَاة و ارتاحت ُ
صَاحَتْ الأميرة فَزعَا ، فَأَسْرَعَ لَهَا سلَّمَانِ و قَالَ لَهَا و هُوَ مُضْطَرِب : مَا بِكَ أيتها الأميرة نورهان ، ما بك ؟
قَالَتْ : وَالِدي هُوَ مِنْ تسبب في قِتْلِ أُمِّي شريهان
رَدُّ عَلَيهَا سلَّمَانِ : و كَيْفَ عَرفَتْ ذلك ؟
قَالَتْ : هِي مِنْ قَالَتْ لِي
قَال سلَّمَانِ : و هل الأموات تتكلم ؟ قالت : إن أمي كلمتني ... قال سلمان: والدكَّ تَعَذَّبَ كَثِيرَا و هُوَ يَرَى زَوْجَتُهُ شريهان تَتَأَلَّمُ فَوَضعَ عَلَى طَاوِلَتِهَا سمَّا و لَكِنْه لَمْ يقتلهاُ ، هِي مِنْ أخذَتْ مِنْ السَّمِّ جُرْعَةَ لِتَضَعُ حَدُّا لِحًيَاتِهَا و تَرْتَاحُ نِهَائِيَّا مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي سَبَبَهُ لَهَا المرَضَ
و قَدْ حَاوَلَ الْملَّكُ توجيان إنقاذها ، لَكُنَّ دُونَ جَدْوَى ، فَقَدْ فَارَقَتْ الْحَيَاةُ و اِنْتَقَلَتْ إِلَى بَارِّيِهَا
أَسْرَعَتْ الأميرة نورهان إِلَى أَبِيهَا الْملْكَ توجيان ، دَخلت عَلَيه قَائِلَةً : أَبِي أَبِي لَقَدْ عَرفَتْ حَقِيقَةُ مَوْتِ أُمِّي شريهان
رَدُّ عَلَيهَا الْملْكَ و الدَّموعَ تَمَلَّأَ مقلتيه : الْحَمْدُ لله يا اِبْنَتَي ، لَمْ أَكِنْ أقْصِدْ قتلَهَا ، اِنْكِ أرحتني مِنْ عَذَابِ الضَّمِيرِ الَّذِي أَنَا فِيه مُنْذُ سِنِّينَ
قَالَتْ : و لَكُنَّ لِي سُؤَالَ أُرِيدُكَ أَنْ تُجَيِّبَ عَلَيه بِصَرَاحَةِ
قَال : و ماهو ؟
قَالَتْ : لماذا أَخَّذَتْ السمُّ مِنْ الْقَبْوِ الْمُظْلِمِ فِي الْقَصَرِ ، و وضعتَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ
قَال : أَمَّكَ شريهان تَعَذَّبَتْ كَثِيرَا و تألمت مثلما تعذبت أنا و تالمت لما أراها تصارع الموت و لِكَيْ أَرحمَهَا وَضِعَت لها السَّمُّ عَلَى الطَّاوِلَةِ لِتَقَرَّرَ مَا ترَاهُ مُنَاسِبَا فَإِمَّا أَنْ تعيش مُعَذَّبَةً و إِمَّا أَنْ تَرْتَاحَ مِنْ عَذَابِهَا نِهَائِيَّا فَمَصِيرَهَا بِيدَهَا يا اِبْنَتَي ؟ هكذا هي الحياة و قد أشفقت عليها
تَدَخُّلُ سُلَّمَانِ و قَالَ : اِسْمَعِي أيتها الأميرة أَن حَضْرَةَ الْملَّكِ توجيان أَحبَّ أَمَّكَ حبَّا كَبِيرَا و كَانَ يَتَعَذَّبُ عندما يراها تَتَأَلَّمُ
رَدُّ الْملَّكِ قَائِلَا : للأسف اِخْتَارَتْ أَنْ تَضَعَ حَدَّا لِحْيَاتِهَا و بإرادتها
فهمت الأميرة قَصْدَ أَبَاهَا ، فَعَانَقَتْهُ كَثِيرَا و قَالَتْ له: لِنَدْعُو لَهَا بِالرَّحِمَةِ و الْغُفْرَانَ
اِبْتَسَمَ الْملَّكُ توجيان و قَالَ : لَا تَتَصَوَّرِي يا اِبْنَتَي كَمْ أَحَبَبَتَهَا ، و كَمْ حَزنَتْ من اجلها وعَلَى فُرَّاقِهَا و لَمْ أُجَددْ حَيَّاتَي مَعَ امرأة أخرى ، بل كَانَ اِهْتِمَامَي الْوَحِيدَ لكَ أَنْتِ يا نورهان فَقَطُّ ، حَتَّى اُعتني بترْبِيَّتِكَ يا اِبْنَتَي ؟ و مرت الأيام و
قَرَّرَ الملك أَنْ يَكْتُبَ لاَبِنَتُهُ الأميرة نورهان نِصْفَ مَمْلَكَتِهُ لِتَعَيَّشَ سَعِيدَة عَلَى ذِكْرَى أَْمَهَا شريهان و تَزَوَّجَتْ الأميرة بَعْدَ أَنْ عَرَّفَتْ سر مَوْتِ وَالِدَتِهَا بِالْحارِسِ سلَّمَانِ
و بَعْدَ أَشَهْرِ تَزَوُّجَ الْمُلَّكِ توجيان بامرأة تَنَاسُبَ عُمَرِهُ وَاِسْمَهَا ربيعــتمان وَبَعْدَ عَامَيْنِ أَنْجَبَتْ الأميرة نورهان مِنْ سُلَّمَانِ بُنيَةٍ بَهِيَّةً الطَّلْعَةَ سَمَّاهَا الْمُلَّكِ توجيان " شريهان " وَمرْتُ الأعوام و كبرَتْ الطِّفْلَةُ شريهان اِبْنَةَ نورهان و سُلَّمَانِ و صَارَ لَهَا شأن عَظِيمَ فِي قَصْرَ الْملَّكِ توجيان الْمَتِينَ الْحَصِينَ الأركان ، و عَاشَ الجميع فِي فَرَحِ و سَعَادَةَ
و هَكَذَا تَنْتَهِي قصةُ " سرمَوْتِ شريهان زَوْجَةَ الْمُلَّكِ توجيان " و الَّتِي نَسْتَنْتِجُ مِنْهَا قَيَّمَا و معان إنسانية رَغْمَ المعاناة و الصَّدْمَاتِ و الْمَوْتَ فان الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ بَلْ تَسْتَمِرُّ و نَحْنُ لَا نُعَرِّفُ مَا يُخَبِّئُهُ لَنَا الْقَدْرَ مِنْ أهوال و آمال
فاللهَ سبحانه ﻳﺮﻗﺒﻨﺎ بِعَيْنَ اﻟﺮﺣﻤﺔ يا أصدقائي الصّغارَ ، ﻟﺬا فَالْحَيَاةَ ﻻ ﺗﺘﻮﻗﻒ وَعَلَينَا أَنْ نثابر فَسَعَينَا ﻟﻦ ﻳﺨﻴﺐ أﺑﺪا .... واﻹﻧﺴﺎن لجأَ ﻣﻦ ﻗﺪﻳﻢ اﻟﻌﺼﻮر ، وﺑﺮﻏﺒﺔ ﻣﻠﺤﺔ ِلمعرِفَةِ مَا يُخَبِّئُهُ لَهُ الْقَدْرَ فَصبرَ و اِسْتَعَانَ بِاللهِ عِزِّ و جَلَّ .. و نَحْنُ لَا نعلم بأخطائنا أو بخطأ مَا نفعل فِي غَالِبَ الأحيان ، إلّا بَعْدَ فَوَاتَ الأوان و بَعْدَ حُدوثِهُ ، لَكُنَّ مَعَ ذَلِكَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَدَارَكَ أخطائنا و نُصْلِحُ أَمُورُنَا و نَتُوبُ الى رشدنا و نَرَى الْحَيَاةَ بِشَيْءِ مِنْ التَّفَاؤُلِ و الأمل
مَعَ أَجُمَلِ تَحِيَّاتٍ الْكَاتِبَ التّونِسِيَّ أَبُو أَسَامَةً ََُ


منصور و الديك الأخرس صاحب الريشة الذهبية



بقلم : رضا سالم الصامت


منصور شاب عاش فقيرا، يتيم الأبوين، لكنه محبوب لدى كل من يعرفه، و في احد الأيام تأخر عن الذهاب إلى مقر عمله
بمتجر صنع الذهب، فأطرده صاحب المتجر و بقي بدون عمل يحفظ كرامته و لا يجد من أين ينفق على نفسه، فحزن حزنا شديدا و احتار في أمره. فقال في نفسه: علي بشراء ديك يؤذن ، حتى استيقظ كل صباح لأن المثل يقول "من ضاع صبحه، ضاع ربحه ". فلو كان عندي ديك يؤذن لاستيقظت باكرا من نومي و قصدت عملي ... انه تهاون مني .
في الغد ذهب منصور إلى سوق الدواجن ليشتري ديكا فأعجبه واحدا كان جميل المنظر و ريشه ناعم وذهبي اللون، فأعجبه و قرر أن يشتريه.
دفع النقود للبائع و أخذ الديك إلى بيته و مضت أيام و ليال ، و لكن الديك لم يؤذن، فتعجب و قال في نفسه : قد يكون مصابا بمكروه...
أخذه إلى طبيب بيطري ليكشف عنه و يعرف حالته، و بعد فحص دقيق قال البيطري لمنصور: ديك سليم و صحته جيدة، لكنه أخرس
رد عليه منصور: ماذا؟ أخرس
قال : نعم، انه أخرس و لكن
قال منصور: و لكن ماذا؟
البيطري : هذا الديك نادر وجوده و فريد من نوعه وله ميزة لا يمكن ان تجدها لدى الديكة الأخرى
قال منصور : و ماهي ؟
رد عليه البيطري : ريشه
قال : ماذا ؟ و ما دخل ريشه ، أنا اشتريته لكي يؤذن لي كل صباح ،فأستيقظ من نومي و اذهب إلى عملي
رد عليه البيطري: هذا ديك ، سيجعل منك رجلا غنيا في المستقبل
قال منصور متعجبا : كيف هههههه أنا سأصبح غنيا بهذا الديك الأخرس
رد عليه البيطري : لو عرفت كيف ترعاه و تحافظ عليه ، فانه سيعطيك في كل عام ريشة من الذهب الخالص
فرح منصور فرحا شديدا و قال في نفسه: سوف لن أفرط في هذا الديك

أخذ ديكه و ذهب إلى بيته و مضت أيام و أشهر و مر عام، و الديك كما هو لم يتغير فيه شيء، فأخذه إلى البيطري و سأله عن الريشة الذهبية وبعد فحص دقيق قال له البيطري : انظر هذه هي الريشة الذهبية

انتظرها ثلاثة أيام و التقطها منه.
بقي منصور ينتظر الأيام الثلاثة تمر و أسرع إلى الديك ، و أخذ الريشة الذهبية و التقطها منه ثم قال في نفسه : علي أن أبيعها لصاحب المتجر الذي أطردني من سنة عندما كنت أعمل معه .
و عندما رآه صاحب المتجر مقبلا عليه ، صاح في وجهه : عد إلى بيتك يا منصور، لست بحاجة لخدماتك ، فلقد أطردتك من العمل لأنك تتأخر كثيرا
رد عليه منصور قائلا: لا تقلق ، لم آت إليك لتعيدني إلى عملي ، و إنما جئت لأبيع لك ريشة ذهبية لأنك صاحب المتجر الوحيد لصنع الذهب
قال صاحب المتجر: ماذا قلت ؟
تريد ان تبيع لي ريشة من ذهب ههههه ؟
رد عليه منصور : نعم
نظر صاحب المتجر الريشة و قلبها ثم قال له: فعلا إنها من الذهب الخالص ، سأشتريها منك
و إن كان لديك ريشة أخرى فيمكنني شرائها
قال له منصور : كل عام سأبيع لك ريشة
تعجب صاحب المتجر و قال: و لكن من أين لك بهذه الريشة الذهبية ؟
قال : اشتريت ديكا ريشه من ذهب
عرف التاجر المخادع سر منصور
مرت الأيام و الأشهر و أصبح منصور غنيا، و أغنى حتى من مؤجره صاحب المتجر الذي أطرده .
فاغتاظ صاحب المتجر و قرر أن يزور منصور في بيته، ليقدم له عرض شراكة.
ذهب صاحب المتجر إلى بيت منصور، و فور وصوله طرق على الباب ففتح له فقال منصور في نفسه : ما الذي أتى به يا ترى ؟ فمن عادته لا يزورني في البيت
أدخل منصور صاحب المتجر إلى بيته، مرحبا به ثم قال: جئت لأعتذر لك ، و قد أخطأت التصرف معك
رد عليه : لا عليك ، إني أحترم رغبتك
قال صاحب المتجر : الآن و قد أنعم الله عليك بديك يمنحك ريشة من ذهب في كل عام ، ما رأيك لو قبلت عرضي
قال: و ما هو؟
رد عليه صاحب المتجر: أن تدخل معي شريكا بالنصف
قال : امنحني بضعة أيام لأفكر في هذا العرض
و مضت أيام و لم يتلق صاحب المتجر جوابا على عرضه فقال في نفسه : سأذهب لأسرق له الديك
وبقي صاحب المتجر يراقب تحركات منصور أثناء غيابه عن البيت و في إحدى الأيام غاب منصور عن بيته، فاغتنم صاحب المتجر فرصة غيابه و ذهب إلى بيت منصور و سرق الديك و عند عودة منصور لبيته فوجئ بغياب ديكه صاحب الريشة الذهبية فحزن كثيرا على فقدانه .
مرت أشهر و لم يعد منصور كعادته ، و بدأت الخصاصة تدق بابه ، فأصبح يعيش في فقر مدقع و التاجر أصبح من أغنى الأغنياء.
فقال في نفسه : علي بصاحب المتجر الذي قدم لي عرضا
و فور وصول منصور لصاحب المتجر قال: جئتك لأقبل عرضك ؟ فرد عليه صاحب المتجر : لقد فات الأوان يا منصور
لا يمكن أن أقبلك تعمل معي ..
رجع منصور إلى بيته حزينا ، يجر أذيال الخيبة و هو شديد الندم لأنه لم يعرف كيف يكتم سره ،و تذكر البيطري الذي أوصاه بأن يحافظ على الديك ، لأنه ديك فريد من نوعه .
و هكذا يا أصدقاء تنتهي قصة منصور و الديك الأخرس صاحب الريشة الذهبية و التي نستنتج منها عبر . فلتكن صدورنا أوسع لحفظ أسرارنا و لا نفشيها لأي أحد . مع أجمل تحيات الكاتب التونسي أبو أسامة

سوسنة و ابنها شوبان


بقلم الكاتب : رضا سالم الصامت

كانت سوسنة قلقة على فلذة كبدها "شوبان " الذي غادر البيت ، بحثا عن الأميرة التي أحبها و اسمها نورهان وهي موجودة في قصر مملكة الكثبان، الذي لا يقربه انس و لا جان . و قبل رحيله ترك لوالدته وصية جاء فيها ما يلي : أمي سوسنة أترك لك وصيتي و أنا ذاهب لأبحث عن حبيبة قلبي الأميرة نورهان ، لا أريد إلا رضاك و إن طال غيابي ،فعليك بالاتصال بالشيخ عريفان شيخ الصحاري و الوديان بمملكة هومان انه صديقي ،اتصلي به و سيساعدك ....سامحيني إن كنت حيا أرزق ، و سامحيني إن كنت في عداد الأموات ... ابنك شوبان ....
قرأت سوسنة الوصية و خرجت من البيت تبحث عن الشيخ عريفان شيخ الصحاري و الوديان بمملكة هومان المجاورة ، فوجدته في انتظارها .
و من أول وهلة عرفها بالخاتم الذي تحمله بإصبعها فقال لها : ألست أم شوبان؟
قالت: نعم ،و جئتك بناء على وصيته ولدي .
قال الشيخ : اطمئني يا سوسنة ، فابنك في الحفظ و الأمان،وعليه فان نورهان أميرة قصر مملكة الكثبان في انتظاره ليحمل لها أذني أسد أحمر سكبان
قالت : كيف و قد غاب عني من زمان؟
قال الشيخ : اجلبي لي بيضة و عسل رمان و بخور طرد الجان، حتي نساعده على الوصول إلى قصر الكثبان .
ذهبت سوسنة مسرعة إلى سوق قريب بمملكة هومان، و جلبت معها ما طلبه الشيخ عريفان من بخور طرد الجان و بيضة و عسل حبات الرمان .
أوقد فحما على الكانون و رمى حفنة من بخور طرد الجان و دهن البيضة بعسل الرمان ليكشف سر غياب شوبان من أجل حبيبة قلبه نورهان، التي تسكن في غرفة بقصر الكثبان ، لا يقربه أنس و لا جان ،الا مرة في السنة يكون يوم خميس عند الفجر و وقت الآذان .
وضع البخور في المبخرة ،و تصاعد الدخان في الحجرة و جلست سوسنة بالقرب من البيضة و العرق يتصبب من كامل جسدها ، التفت الشيخ عريفان نحوها قائلا لها : اقتربي من البيضة أرجوك ،و انظري في وجهها المدهون بعسل الرمان و قولي لي ماذا ترين يا امرأة ؟
قالت بلهفة : أرى قصرا فخما محاطا بجيش و حراس
ثم أضافت قائلة : وأرى شوبان ابني و هو يمشي حافي القدمين في صحراء قاحلة .
ثم قالت و الدموع تنهمر من مقلتيها : إني أرى حيوانات كثيرة و أسود ووحوش و غزلان ...
قال الشيخ عريفان : والآن جاء دورك يا سوسنة ، لتساعدي ابنك الملتاع ،على اجتياز هذه المخاطر حتى يصل إلى مبتغاه ..
قالت : و لكن ما عساي أن افعل
قال : الآن ابنك شوبان يبعد عن قصر الكثبان ثلاثة أميال، وللوصول إلى هذا القصر ستعترض طريقه حية زرقاء ليصارعها و في الميل الثاني سيعترضه أسد أحمر سكبان و عليه أن يصارعه ويقطع أذنيه ليحملهما للأميرة نورهان و في الميل الثالث و الأخير يعترضه حراس قصر الكثبان أين توجد الأميرة نائمة على سرير من ذهب و فضة في انتظار شوبان
قالت سوسنة للشيخ : و هل يصل ابني في سلام و أمان ؟
قال الشيخ : كل شيء تمام التمام ، لو رضيت عنه، فرضاك عنه يكفل له النجاح في الوصول سالما و آمنا
قالت : أنا راضية عنه
قال الشيخ : لتبرهني على رضاك ، سأعطيك البيضة ، لفها في هذه القطعة من الحرير و عندما تصلي إلى منطقة هومان سيعترضك رهبان يطلب منك لفة الحرير ليسمح لك بالدخول .
عندما تدخلين، ستجدي بئرا غربية مهجورة و بئرا ثانية شرقية .
تقدمي نحو البئر الثانية الشرقية و ضعي البيضة في قعر البئر و ابتعدي فيصعد دخان أبيض منها ثم تحولي إلى البئر الغربية المهجورة و قولي ثلاثة مرات : أيتها البئر الغربية المهجورة أنا سوسنة أم شوبان راضية كل الرضا عن ابني و هذا وعد مني لك أيتها البئر الغربية المهجورة بهومان .
فهمت سوسنة ما عليها أن تفعله من أجل ابنها الذي غادر البيت بحثا عن حبيبة قلبه الأميرة نورهان و أخذت البيضة من الشيخ عريفان الذي لفها في قطعة قماش من الحرير و وصلت إلى منطقة هومان فخرج لها الرهبان وطلبها لفة الحرير فسلمته اللفة و هي ترتعد خوفا منه .
ثم اتجهت صوب البئر الشرقية و رمت البيضة فتصاعد الدخان وبعد ذلك تحولت نحو البئر الغربية المهجورة و قالت ثلاثة مرات : أيتها البئر الغربية المهجورة أنا سوسنة أم شوبان راضية كل الرضا عن ابني و هذا وعد مني لك أيتها البئر الغربية المهجورة بهومان .
رد عليها الرهبان أحسنت يا امرأة قوبل رضاك عن ابنك شوبان الذي غادرك من زمان بحثا عن الأميرة نورهان .
في الأثناء كان شوبان يصارع الحية الزرقاء صاحبة الأذنين التي اعترضت طريقه فأمسك بحجر صوان و بضربة على رأسها من الخلف سقطت و ماتت و لم يعد لها اثر فذابت . أكمل شوبان المسير و هو يحمل معه وهج المشاعرو الأشجان
فتذكر والدته سوسنة و قال في نفسه : ليت أمي ترضى عني ، فلولا رضاها لا يمكن لي أن أوصل حتى أفوز بيد الأميرة التي أحببت ..
و فجأة خرج عليه أسد أحمر سكبان فالتفت شوبان و مسك بيده عودا و اخذ يصارع الأسد إلى أن فقأ عينيه و قطع أذنيه و لم يعد الأسد يرى فتركه و واصل المسير في اتجاه قصر الكثبان و بيديه أذني الأسد إلى أن وصل يوم خميس عند الفجر فانتظر وقت الأذان و دخل باب القصر و كان كل حراس القصر يغطون في سبات عميق ، لا يرونه
صعد إلى غرفة حبيبته الأميرة الحسناء نورهان، فوجدها ممدة على سرير فاخر و هي في انتظاره و قدم لها في منديل أذني الأسد الأحمر ، فعانقته و عانقها و قالت الأميرة في نفسها : و أخيرا ظفرت بحبيب قلبي شوبان .
عاشا الاثنين معا في سعادة لا توصف ،و بعد أشهر زار والدته سوسنة التي كانت سببا في الفوز بالأميرة نورهان ، بفضل رضاءها عليه و أصبحت سوسنة تعيش معهما في القصر الفخم قصر الكثبان و أصبح شوبان ملك مملكة قصر الكثبان و نورهان أيضا .
و هكذا يا أصدقائي الصغار تنتهي قصتنا التي تحمل بين طياتها معان المودة و الإخلاص و رضاء الوالدين فلا يمكن أن تتحقق الأماني و الآمال إلا برضاء الأبوين و خاصة الأم مع أجمل تحيات الكاتب التونسي رضا سالم الصامت أبو أسامة

الأمير و الشيخ



رضا سالم الصامت
أبو أسامة

يحكى قديما ، أن هناك أمير خرج في جولة بالصحراء البعيدة مع أحد حراسه ، و بينما هو في قلب الصحراء ، فجأة تغيير الطقس و غيمت السماء و هبت عاصفة رملية قوية أتت على كل شيء . بعد سويعات هدأت العاصفة و لم يجد الأمير حارسه و حصانه ، فأخذ يبحث عنهما لفترة طويلة إلى أن وجد الحارس معلقا بين الكثبان الرملية ميتا فتملكه الذعر بقى يمشي بهدوء و حذر لا يعرف إلى أي جهة يتجه و إلى أين ستوصله قدميه .
لم يكن مع الأمير سوى القليل من الماء ، فارتبك و قال في نفسه : حتما سأهلك في هذه الصحراء القاحلة و علي أن أواجه مصيري بنفسي

قطع الأمير أميالا و فوجئ لما رأى حصانه ممددا بالأرض وهو ميت، تركه و أنا تائه في صحراء غريبة أبحث عن قطرة ماء أروي بها عطشي بعد ضمأ طويل ، فصار الأمير يبكي و هو لا يدري إلى أين سيؤول به المصير ...
احتار في أمره و قال في نفسه : علي بالصبر ، فان الله مع الصابرين.
لم يعد للأمير أي أمل في النجاة و هو لا يزال تائها في الصحراء الشاسعة.
تعب الأمير كثيرا من المشي على قدميه ، و لم يعد يحتمل فقرر أن يرتاح قليلا ، لأن التعب أخذ منه مأخذا ولم يعد قادرا على التقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام ، فنال منه الإحباط و سلم أمره لله تعالى .

و مرت الأيام، فإذا بالأمير المتعب، يجد نفسه أمام مجموعة من الذئاب الشرسة تريد مهاجمته فاحتار ما ذا سيفعل لهم لصد الهجمة ، و لم يجد أي وسيلة للدفاع عن نفسه ، غير رفع عقيرته للصياح . فبدأ يصيح و يستغيث إلى أن بلغ صدى صوته مسمع شيخ كان قريبا منه يقطن في كوخ . فهم الشيخ أن هذا الصوت صوت إنسان يستغيث مع سماعه عواء ذئاب تريد به شرا ، فخرج لاستجلاء الأمر و بيده عصا غليظة ، فوجد الأمير في ورطة ، اندفع الشيخ نحو الذئاب و أشعل النار في كومة من حطب البلاّن الشوكي و الأعشاب الجافة فاشتعلت و فرت الذئاب ، لأنها تخاف النار...
اقترب الشيخ من الأمير و سأله : ماذا تفعل لوحدك في صحراء قاحلة أيها الرجل ؟
قال الأمير : لقد تهت أيها الشيخ و ضللت الطريق ، و أضعت الصديق وتهت و لم اشعر بالأمان
رد عليه الشيخ قائلآ : لا عليك ، هيا معي إلى الكوخ و سأعتني بك الليلة ، فأنت من الآن ضيفي .
فرح الأمير ، و شكر الله و فور وصولهما إلى الكوخ روى الأمير على الشيخ ما حدث له و قال له : خرجت في جولة صحراوية، و بعدت كثيرا عن الطريق وفجأة هبت عاصفة رملية فقدت فيها اعز أصدقائي و مات حصاني و تهت أنا و ليس عندي ماء أروي به عطشي
فهم الشيخ ما حدث للرجل فقدم له طعاما و شرابا ثم نام و في الصباح الباكر شد الرحال و أوصل الشيخ ضيفه إلى الطريق و سلمه حصانا ليعود به إلى موطنه .
كان الشيخ لا يعرف أنه أمير و بعد أشهر تذكر الأمير ما فعله معه الشيخ فقرر أن يزوره
بحث عن الكوخ فوجده و قدم له مالا و ذهبا وفضة و طعاما و ثمارا و أهداه حصانا جزاء إكرامه له أيام محنته عندما تاه في الصحراء .
لم يصدق الشيخ في بادئ الأمر من رآه ، فنزل الأمير و قال له : أيها الشيخ أنا الرجل الذي ساعدته من أشهر عندما هاجمتني الذئاب
عانق الشيخ الرجل و قال : و لكن من تكون؟
رد عليه : أنا الأمير سوفان جئتك من مملكة الزمرد و المرجان.
ظل الأمير مخلصا للشيخ اعترافا له بالجميل ، و بقي الشيخ يحب الأمير، و هكذا تنتهي قصتنا الأمير" سوفان و شيخ الصحراء " يا أطفال و في نستخلص أكثر من عبرة و فيها وقفة نتأمل هذه القيمة المهمة ودورها في حياة الناس،الذين فيهم من لا يعيرها أي اهتمام و لكن الإنسان بحاجة إلى مساعدة أخيه الإنسان وأن العلاقات بين البشر في حاجة ماسة إلى دعم متواصل لتقوية أواصرها وترسيخ أركانها ، فحتى الكلمة الطيبة لها أثرها العميق والفعال في تقوية التواصل و الإخاء .
فلا تنسوا يا أطفال هذا الجميل أبداً و تذكروه في حضور من قدمه لكم وفي كل وقت يتناسب وذكر هذا الجميل اعترافاً بحقه أولاً , وتعليماً للآخرين ثانياً , وتشجيعاً على عمل الخير ثالثاً... انه صفة حميدة , وخلق كريم و بهذا الخلق الحسن يكثر الخير والمعروف بين الناس , ويظهر الحق , وتعلو المروءة والشهامة . مع أجمل تحيات الكاتب رضا سالم الصامت

صاحب القميص الأحمر


مسرحية من فصل واحد ، في أربعة مشاهد



بقلم الكاتب القصصي

رضا سالم الصامت أبو أسامة



الشخصيات

العم جمعة حطاب و سالم عامل و الشاهد مروان صانع حطاب و اللص جيبران الأعرج و الصبي شوكاب يعمل بالسوق -

القاضي أميران والحاكم الأصلع عمران والحاجب موهيار



يفتح الستار ، أمام لوحة كبيرة تظهر فيها غابة كثيفة الأشجار و مؤشرات صوتية تسمع بعض أصوات الحيوانات مختلطة مع تغريد عصافير و أصوات خفيفة لزفير رياح و رجل بصدد قطع بعض أغصان الشجر بالفأس ثم عمال يجمعونها و و تظهر كومة من الحطب و يظهر لص يرتدي تبانا احمر و هو أعرج ، يأخذ الحطب و يضعه على ظهره حماره ثم يهرب ليبيعه في السوق

يفتح الستار و العم جمعة بعد فترة استراحة في الغابة ، أخذ يبحث عن كومة الحطب التي جمعها مع عماله و لم يجدها

المشهد الأول

العم جمعة و هو حطاب : يتكلم متلعثما : يا الا....هي أي ... أين الح .... الحطب الذي جمع .....ناه جمعناه ؟

سالم : أنا لا اعرف

مروان: اعتقد انه سرق

العم جمعة : و لكن كي ... كي ...كيف ، و من الذي سر.... سر... سرقه؟

مروان : رأيت رجلا يرتدي بدلة حمراء اللون و يمشي مشية أعرج أخذ الحطب و وضعه على ظهر

! حماره

العم جمعة : و لماذا لم تق ... تقل لي؟

مروان: ظننت أنك تعرفه و جئت به ليساعدنا

العم جمعة : أس ...أسألك و أين ذهب بالح ....بالح ... بالحطب ؟

مروان: لا أعرف

العم جمعة : و هو زائغ النظرات ، س ... س سأشتكي به إلى القا..... القا... القاضي أميران ، فهل تق ... تق ...

تقبل بإدلاء شها..... شهادتك يا مر....مر...مروان؟

مروان : نعم ، هيا بنا

ذهب العم جمعة و مروان إلى حضرة القاضي



المشهد الثاني



القاضي أميران بمكتبه و بالباب موهيار حاجبه و الحاكم الأصلع البدين مرجان

العم جمعة : أيها الحا... الحاجب ، أيها الحا....الحاجب ، أريد مقا .... مقا ... مقابلة حض.....رة حضرة القا... القاضي

أميران

الحاجب موهيار: و لماذا تريد مقابلة حضرة القاضي ؟

العم جمعة : لتقديم شك.....شكوى في من سر... سر.... سرق حط....حطبي من الغابة

الحاجب موهيار: انتظرا هنا

يدخل الحاجب موهيار لإبلاغ القاضي أميران، بما حصل ، ثم يأذن للمشتكي بالدخول بينما يبقى الشاهد في الخارج

العم جمعة : الس....السلام عليكم يا سيدي القا....القاضي ، جئت.....جئتك أقد... أقد ....أقدم شك....شك....شكوى

القاضي : و ما اسمك ؟

رد عليه : اس....اس....اسمي جمعة، وجئت أقدم شك.....شكوى في شخص ..سرق كل حط....حطبي الذي جمع....جمعته

في الغا....الغا.... الغابة بعرق جبي....جبيني

القاضي : و من يكون هذا الشخص ؟

العم جمعة : للأسف لا أعر.... أعرفه

القاضي : و هل شاهدته يسرق؟

العم جمعة : لا يا سي.....سي.....سيدي ، و لكن لدي شا.....شا....شاهد

القاضي : و من يكون هذا الشاهد ؟

العم جمعة : انه صا....صانع حط...حطاب و اس....اس....اسمه مر...مروان

القاضي : أيها الحاجب ، ادخل الشاهد مروان

أدخل الحاجب موهيار الشاهد

مروان: السلام عليكم سيدي القاضي

القاضي : ما اسمك ؟

مروان : اسمي مروان

القاضي : و هل صحيح أنك رأيت الذي سرق حطب زميلك في العمل ؟

مروان : نعم ، و كان يرتدي قميصا أحمر اللون ، و يبدو انه مصاب بعرج برجله اليسرى

القاضي : حسن انتظرا خارجا

نادي القاضى على حاجبه موهيار، و أمره بالذهاب إلى سوق بيع الحطب ليجلب له أي شخص يلبس قميصا أحمر اللون

و بعد سويعات أتي الحاجب و معه ثلاثة أشخاص يلبسون أقمصة لونها أحمر و هم الصبي شوكاب و الرجل ريهوان

و الأعرج جيبران

المشهد الثالث

الحاكم يمسك بثلاثة أشخاص و الحاجب يدخل لمكتب القاضي لإبلاغه بوصولهم

الحاجب : سيدي القاضي ، لقد أتينا بثلاثة أشخاص من السوق، يرتدون كل منهم قميصا أحمر اللون ، فهل أدخلهم عليك ؟

القاضي : ادخل صغيرهم سنا

الحاجب : نعم

أدخل الحاجب أصغرهم سنا و هو صبي يلبس قميصا أحمر اللون

سأله القاضي : ما اسمك

قال : شوكاب

القاضي : هل بعت حطبا في السوق اليوم؟

رد عليه قائلا : نعم ، لقد بعت اليوم حطبا ، أتاني به رجلا فقبضت نصف ثمنه و النصف الآخر لهذا الرجل

القاضي : و هل تعرف اسم هذا الرجل؟

قال : نعم ، اسمه ريهوان

القاضي : و هل كان يرتدي قميصا أحمر اللون

قال : لا يا سيدي القاضي

القاضي : يمكنك الانصراف أيها الصبي

القاضي : أيها الحاجب ، أدخل الرجل الثاني

المشهد الرابع و الأخير

أدخل الحاجب الرجل الثاني من الموقوفين و هو أيضا يرتدي قميصا أحمر اللون وسأله القاضي : ما اسمك ؟

قال: اسمي ريهوان

سأله القاضي : هل بعت حطبا و قبضت نصف المبلغ مع شخص يدعى شوكاب

رد عليه قائلا: نعم و قد اتفقت معه و كان المبلغ بالنصف بيني و بينه حتى أكون عادلا

القاضي : أحسنت، لقد كان تصرفك سليم

نادى القاضي على حاجبه و طلب منه أن يدخل عليهما الشاهد

دخل الشاهد و تأمل في الرجل و لكنه لم يعرفه فسأله القاضي : هل هذا من سرق حطب العم جمعة؟

قال : هل ممكن أن أتأكد منه ، أرجو من حضرة القاضي أن يأذن له بالمشي على رجليه

أذن له القاضي و طلب منه أن يمشي أمامه خطوات

تيقن الشاهد أن الرجل ليس هو من سرق الحطب

فقال للقاضي : ليس هذا من سرق الحطب ، فالذي سرق حطب العم جمعة مصاب برجله اليسرى

قال القاضي : هل أنت متأكد مما تقوله

قال الشاهد : نعم

فأخلى القاضي سبيله و طلب من الحاجب إدخال الرجل الثالث و الأخير صاحب القميص الأحمر

خرج الشاهد و ادخل الحاجب الرجل الثالث و الأخير

دخل الرجل الثالث و هو أعرج ، لا يقوى على العمل ، يرتعد من شدة الخوف و قال أيها القاضي : أنا برئ لم أفعل

شيئا، و الله لم أفعل شيئا

فقال له القاضي : و من قال لك أنك فعلت شيئا ، هيا اهدأ يا رجل و أجب على كل أسئلتي و إن كذبت علي فسوف أسجنك

قال : سأجيبك بكل صدق

رد عليه القاضي مبتسما : و هذا ما أريده ، ما اسمك ؟

قال : اسمي جيبران

القاضي : اسمع جيدا يا جيبران ما سأقوله لك، من أين جاءك الحطب ، و أنت في هذه الحالة لا تقدر على عمل شاق كهذا ؟

قال جيبران: صحيح أنا أعرج ، و لكني قادر على العمل ، و قد جمعت الحطب و وضعته على ظهر حماري

و عندما وصلت إلى السوق بعته بأبخس الأثمان

القاضي : ماذا ؟ و لماذا بأبخس الأثمان ؟ لأنك لم تتعب ، كما تعب الآخرون

أنت من سرق حطب العم جمعة ؟ أليس كذلك ؟

رفض الأعرج جيبران الاعتراف أمام القاضي ، و لكنه بقي يتمتم لوحده و يقول لقد انكشف أمري يا الاهي و بينما

هو على تلك الحال صاح القاضي في وجهه : أنت لص يا جيبران، و من الأفضل لك أن تعترف

رد عليه جبيران: لا أبدا لست لصا ، و لكني احتجت إلى بعض المال

عندما تأكد القاضي أن جبيران هو من سرق الحطب ، نادى حاجبه و طلب منه إدخال الشاهد مروان

دخل مروان على القاضي و رآى جيبران ، عرفه من أول نظرة و صاح قائلا مشيرا بإصبعه : انه هو

! يا سيدي القاضي ، انه الشخص الذي سرق حطب العم جمعة

انكشف أمره ، و لم يعد أمام جبيران أي خيار ، غير الاعتراف

و اعترف جيبران أمام الجميع و هو مطأطئ الرأس : نعم أنا من سرق حطب العم جمعة ، و إني لشديد الندم

سيدي القاضي

لكن القاضي أمر حاكمه الأصلع عمران بالقبض عليه و حبسه ، حتى يكون عبرة لغيره

فهل ينفع الندم بعد فوات الأوان ؟

و هكذا تنتهي المسرحية بظهور حق العم جمعة ،الذي تعب و كد من اجل توفير لقمة العيش بعرق جبينه ،و من

شدة الفرح ارتفع صوته عاليا و هو يصيح : يحيا العد...ل... العدل، عا....ش عاش القا....القاضي

و هكذا تنتهي مسرحية " صاحب القميص الأحمر " و جيبران اللص مقيد اليدين يقتاده الحاكم الأصلع عمران

، و الحاجب موهيار الى السجن أين سيقضي عقوبة يستحقها جزاء ما اقترفت يداه

و سط صياح العم جمعة : يحيا العد...ل... العدل، عا....ش عاش القا....القاضي

و يغلق الستار

مع تحيات كاتب المسرحية : رضا سالم الصامت أبو أسامة

الحاكم الغريب و أهل البلد

بقلم الكاتب القصصي التونسي : رضا سالم الصامت

ذات يوم جاء من بعيد رجل غريب يدعي أنه أمير لبلاد العرب ، فأقام بين أهل البلد و وجد منهم كل ترحاب و مساعدة و طيبة و كرم ضيافة . هذا الرجل الغريب استطاع أن يكسب ودهم و صار الجميع يحترمونه بل و يحبونه فقرر الجماعة أن ينصبوه حاكما لأنه اشتراهم بماله و لسانه ولم يبخل عليهم بأي مساعدة و وعدهم بالخير العميم و يقول لهم أنه أمير .
بنى الرجل قصرا فخما و صار حاكما يأمر و ينهي و مضت أيام و أشهر، و كون جيشا يحميه و رجال يثق فيهم رغم انه ليس ابن هذا البلد .
أصبح يعيش حياة البذخ و الترف ، و كل الناس يهابونه ، فاستغل خيرات البلاد و صار يتصرف فيها و كأنها ملك من أملاكه . يدخل الرعب في قلوب الناس و يسرق ثرواتهم فأصبحوا فقراء يعيشون الخصاصة يعانون من الأمراض.
و بما أنه حاكم و لديه رجال يحمونه و حراس فلقد أمر هؤلاء الجنود بان يكونوا اشد قسوة على كل من يتجرأ عصيان أوامره و يعاقبهم بالقتل أو بالسجن.
فعاث في البلاد فسادا و لم يعد هذا الأمير غريبا بل أصحاب البلد هم الغرباء . اغتاظ الناس من تصرفاته و قرروا إيفاد عدد من الشباب في محاولة لإقناع الحاكم بأن يغيير سيرته و يخدم البلاد و العباد . لكن كل من اقترب إلى القصر يتم حبسه.
انتاب أهل البلد قلقا عن أبنائهم الذين لم يعودوا و احتاروا في أمرهم و لا يعرفون إلى أين آل مصيرهم . فقرروا أن يكونوا مجموعة من الرجال و من الشباب و الفتيات و أخذوا معهم عازف مزمار و طبال و راقصات و مأكولات و مشروبات و عندما وصلت المجموعة انقسمت إلى ثلاثة فرق فرقة تضرم النار في الغابة القريبة من القصر و فرقة تنتظر إشارة لاقتحام القصر و فرقة تقيم حفلة راقصة بعازف المزمار و الطبال و مأكولات و شرب الخمر من الجهة المقابلة لغابة القصر .
كانت فكرة واضحة تهدف إلى تفريق جنود الحاكم، حتى تتمكن المجموعة من اقتحام القصر في الوقت المناسب .
لاحظ الجنود من بعيد ارتفاع ألسنة اللهب فذهبوا لاستجلاء الأمر و بطبيعة الحال نقص عددهم و عندما وصل الجنود و جدوا غابة القريبة من قصر حاكمهم تشتعل و الغريب أنهم لم يجدوا أحدا من البشر فقرروا البقاء بالغابة و انشغلوا بإطفاء الحريق المفتعل لساعات طويلة ... و بينما هم كذلك سمع حراس باب القصر من الجهة المقابلة أصوات المزمار و الطبال و غناء النسوة ، فذهب ما تبقى من جند إلى مصدر الصوت و فور وصولهم تم استقبالهم بلطف و رحبوا بهم و قدموا لهم أشهى المأكولات و الفتيات الحسان يرقصن لهم و يخدمونهم فأعجبتهم الحفلة و بقوا يسهرون و نسوا أنفسهم .
أمام بوابة القصر بقي ثلاثة جنود فقط يحرسون القصر ، و وصلت إشارة اقتحام أسوار القصر.
كان الاقتحام ناجحا و في داخل القصر وجدوا الحاكم الغريب يغط في نوم عميق ، القوا عليه القبض و أخذوه و تم فتح أبواب السجن و حرروا الشبان الذين غابت أخبارهم عن أهل البلد ، ثم رجع الكل إلى المدينة و معهم الحاكم الغريب مكتوف الأيدي مطأطئ الرأس مهزوما .
عاد الجنود من الغابة و من الحفلة فتملكهم الذعر عندما وجدوا القصر في فوضى وازداد حزنهم عندما لم يجدوا حاكمهم .
وجدوا القصر على غير عادته و أبواب السجن مفتوحة ففهموا أنهم وقعوا في الفخ و أن حاكمهم قد القي القبض عليه و أن الشبان فروا من السجن ، فدب فيهم الهلع و دخلوا إلى القصر فلم يجدوا الذهب و المجوهرات و المال فظنوا أن الجنود الذين بقوا يحرسون أسوار القصر هم من قاموا باقتحامه ،انتابتهم شكوك كثيرة ، و نشب في ما بينهم نزاع أدى إلى قتل بعضهم و هرب البعض .
أما الحاكم الغريب، فقد تيقن أن أهل البلد الكرماء الذين فتحوا له أبواب مدينتهم و احتضنوه ، قد لقنوه درسا لن ينساه ما دام حيا .. فعاش حقيرا ذليلا و أهل البلد عاشوا في سلام و أمان و طمأنينة يحكمون بلدهم بأنفسهم بالحق و العدل و المساواة .
و هذه نهاية كل ظالم مستبد ، و هكذا يا أطفال تنتهي قصة الحاكم الغريب و التي فيها عبرة لمن يعتبر من حكام فاسقين و فاسدين طغوا في البلاد و ظلموا العباد فكان مآلهم و جزاؤهم الموت أو السجن أو العيش منفيا في ذلة و مهانة بعد العز و مظاهر البهجة المزيفة التي لا تدوم مع أجمل تحية كاتب القصة رضا سالم الصامت .